عبد الرسول زين الدين

87

معجم النبات عند أهل البيت ( ع )

نفسي : أتوضأ وضوء الصلاة وأصلي لئلا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمة بها ، فبادرت إليها . فلما فرغت من العشاء الآخرة اظلم الليل وامتلا البيداء من أصوات السباع وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الأسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقد كأنها السراج ، فزادت وحشتي إلا أني كنت مستسلما للموت ، فأدركني النوم لكثرة التعب ، وما أفقت إلا والأصوات قد انخمدت ، والدنيا بنور القمر قد أضاءت ، وأنا في غاية الضعف ، فرأيت فارسا مقبلا علي فقلت في نفسي إنه يقتلني لأنه يريد متاعي فلا يجد شيئا عندي فيغضب لذلك فيقتلني ، ولا أقل من أن تصيبني منه جراحة . فلما وصل إلي سلم علي فرددت عليه السّلام وطابت منه نفسي ، فقال : ما لك ؟ فأومأت إليه بضعفي ، فقال : عندك ثلاث بطيخات ، لم لا تأكل منها ؟ فقلت : لا تستهزءني ودعني على حالي ، فقال لي : انظر إلى ورائك ، فنظرت فرأيت شجرة بطيخ عليها ثلاث بطيخات كبار ، فقال : سد جوعك بواحدة ، وخذ معك اثنتين ، وعليك بهذا الصراط المستقيم ، فامش عليه ، وكل نصف بطيخة أول النهار ، والنصف الآخر عند الزوال ، واحفظ بطيخة فإنها تنفعك ، فإذا غربت الشمس ، تصل إلى خيمة سوداء ، يوصلك أهلها إلى القافلة ، وغاب عن بصري . فقمت إلى تلك البطيخات ، فكسرت واحدة منها فرأيتها في غاية الحلاوة واللطافة كأني ما أكلت مثلها فأكلتها ، وأخذت معي الاثنتين ، ولزمت الطريق ، وجعلت أمشي حتى طلعت الشمس ، ومضى من طلوعها مقدار ساعة ، فكسرت واحدة منهما وأكلت نصفها وسرت إلى زوال الشمس ، فأكلت النصف الآخر وأخذت الطريق . فلما جاء الغروب بدت لي تلك الخيمة ، ورآني أهلها فبادروا إلي وأخذوني بعنف وشدة ، وذهبوا بي إلى الخيمة كأنهم زعموني جاسوسا ، وكنت لا أعرف التكلم إلا بلسان العرب ، ولا يعرفون لساني ، فأتوا بي إلى كبيرهم ، فقال لي بشدة وغضب : من أين جئت ؟ تصدقني وإلا قتلتك فأفهمته بكل حيلة شرحا من حالي . فقال : أيها السيد الكذاب لا يعبر من الطريق الذي تدعيه متنفس إلا تلف أو أكله السباع ، ثم إنك كيف قدرت على تلك المسافة البعيدة في الزمان الذي تذكره ومن هذا المكان إلى المشهد المقدس مسيرة ثلاثة أيام اصدقني وإلا قتلتك ، وشهر سيفه في وجهي . فبداله البطيخ من تحت عبائي فقال : ما هذا ؟ فقصصت عليه قصته ، فقال الحاضرون : ليس في هذا الصحراء بطيخ خصوصا هذه البطيخة التي ما رأينا مثلها أبدا فرجعوا إلى أنفسهم ، وتكلموا فيما بينهم ، وكأنهم علموا صدق مقالتي ، وأن هذه معجزة من الامام عليه آلاف التحية والثناء والسّلام فأقبلوا علي وقبلوا يدي وصدروني في مجلسهم ، وأكرموني غاية الاكرام ، وأخذوا لباسي تبركا به وكسوني ألبسة جديدة فاخرة ، وأضافوني يومين وليلتين . فلما كان اليوم الثالث أعطوني عشرة توأمين ، ووجهوا معي ثلاثة منهم حتى أدركت القافلة . ( جنة المأوى للنوري ضمن بحار الأنوار ج 53 )